قارىء إلياس فركوح يجد نفسه مدفوعاً إلى حشد عاداته في
القراءة والكتابة معاً ، ليصبح أشد ما يكون تيقظاً من أجل التقاط التحولات الدقيقة
والفروق الرهيفة بين حالةٍ وأخرى من حالات الكتابة ، وطُرُق التقنية في النص .
لماذا تفَجِّـرُ بعضُ النصوص قلقاً وأسئلةً من هذا النوع
دون غيرها من النصوص ؟
قد نجدُ إجابةً عن هذا السؤال في مناقشة مفهوم الكتابة
نفسه . فالقراءة الأولى تقودنا إلى معرفة أن النص لم يعد انعكاساً مباشراً للواقع
المعيش ، يقدم صورةً حرفيّة لحقبةٍ ما ، على نحو ما تسجّل عدسة الكاميرا منظراً
بعينه . كما أن النص ليس بناءً لغوياً فحسب ، عن بنى فكرية / دينية في الواقع .
صحيح أنه كذلك في بعض جوانبه ، لكنه يتضمن ، بالاضافة إلى ذلك ، جوانب تدخل الصنعة
الفنيّة في بنائها وتشكيلها بصورتها النهائية .
منذ البدء المتمثل في عنوان المجموعة ينصبُ لنا الكاتب
فخاخه : حقول الظلال . حقول مـاذا ؟ الظلال . حقول مليئة بالألغام ، إذا
دخلتَ حقلاً مليئاً بالألغام فسرعان ما ينفجر في وجهكَ ، وهكذا . إذا دخلتَ حقلاً
مليئاً بالأزهار والرياحين ، فستقطف ما يطيب لكَ من أزهـار وورود ، وتستنشق أطيب
الروائح . لكن حقل إلياس فركوح مليء بكل شيء .
قد تقلب الصفحات ، وتحتجّ بأن لا شيء يمكن القبض عليه
وامتلاكه ، فتترك النصوص معلّقة بأسئلتها . وقد تغوص بها وتنفتح أمامكَ سيولٌ من
الأسئلة القلقة المقلقة التي لا تنتهي ؛ إذ يصبح القارىء متورطاً مع النص وكاتبه .
( أعتقد أنَّ الكاتب قد أجاد وتجاوز نفسه هو قبل كل شيء وبعد كل شيء ) . ثم تمتد
الفخاخ إلى الكلمة الأخيرة : الظلال ؛ والظل هو صنو الآخر ، وخياله ، وأحياناً قد
يتجرد ليصبح متمرداً على صاحبه / نفسه بصورة فانتازية ـ كما سنرى لاحقاً عند تحليل
" ظلّكَ الدليل والمرآة أنا " ـ وهو ما استوقفني طويلاً ، حيث يكون الظل
مناوئاً ومتمرداً على صاحبه ، على صنوه ، على نفسه .
تقع نصوص " ظِلّكَ الدليل ... " في إحدى عشرة
قطعة نَصيّة . تُفتتَح بـ " دفءٌ أوّل " وتنغلق بـ " الملح الأخير
" ، وما بينهما عالمٌ يموج بالكثير .
سوف أقترح مدخلاً يتعامل مع النص بوصفه نصّاً مفتوحاً
بدلالات متعددة ، دائبة التحوّل ، حافلة بالاحتمالات غير المتوقعة ، حتى للكاتب
نفسه .
إنَّ القراءة التي أقدّمها هنا تختلف عن قراءات أخرى
لأنني أمام نص يحتمل أكثر من قراءة ، كما يحتمل ، بالضرورة ، عدداً من الإضاءات
والتعقيبات ؛ إذ أنه لا يُستنفَد بقراءة واحدة . فأنت تجد نفسك مشاركاً في العملية
الإبداعية ذاتها حين تتوقف متسائلاً عن كيفيّة الربط بين الشفرات الدلالية
والجمالية في نص كهذا . فأنتَ متلبس بالمشاركة في هذا العمل ، وما دمت مشاركاً في
إنتاج النص فلا بد أن تتساءل إذا كان منظور الكتابة قد تغيّر لدى الكاتب نفسه على
نحو اقتضى تغيّر موقع تلقي القارىء ، من متلقٍ سلبي إلى مشارك ايجابي .
في " دفء أوّل " نلاحظ ، ومنذ الكلمة الأولى ،
أنَّ هنالك شخصين ، وسرعان ما نتعرّف إليهما . رجلٌ وامرأة ، في اللحظة التي يبدآن
هما بالتعرف إلى نفسيهما أيضاً .
هكذا يبدأ القارىء ـ المتلقي ، مع الكاتب / الراوي هنا
في التقاط حالة التعرّف على الرجل والمرأة وهما يجسّان ويكتشفان نفسيهما : "
كان الواحد منهما يرى الآخر يقترب مادّاً ذراعيه باتجاهه ، والخطوة لا يعتريها
حذَرٌ أو تردد . ولحظة أن تماسّا بالأصابع ـ تلك هي المرة الأولى ـ صمتَ الكونُ
فجأةً ، وأنصتت مخلوقاته لما سوف يحدث . " ص 73 .
وما سوف يحدث لن يكون بأية حال متوقعاً ؛ إذ أننا سنفقد
الرجلَ والمرأة بصورة دراماتيكية حادة ، في مسافة تقع ما بين النصوص الإحدى عشرة .
يبـدو البُعد الديني التكويني ( سفر التكوين ) هنا في
" دفء أوّل " جليّاً ؛ إذ سرعان ما يتبادر إلى الذهن بأن الرجل هو آدم ،
والمرأة حواء في عزلتهما الأولى بأرض الله الواسعة . لكن هذا يقودهما إلى مناطق
أخرى لا يدركانها في البداية . يقودهما إلى اكتشاف بعضهما والتوغّل بالآخر ، وكذلك
بالكون وما يحيط بهما باتجاه المعرفة . هذه المعرفة التي ستؤدي بهما إلى الخوف
الذي يقودهما ، بدوره ، إلى الغَرَق أو الاختفاء ، أو الموت بتجلياته المختلفة .
" ثمة رعشة تحرّك قلبي " ، تقول المرأة .
ـ وأنا أيضاً .
ـ أحارُ في وصفه .
ـ إنه أشبه بالخوف .
ـ تقريباً . غير أني أجهل السبب .
ـ نخاف من بعضنا ؟ نحن نحب بعضنا .
ويسارعُ إلى احتضانها
. " ص 76ـ 77 .
هنا ، المعرفة تقود إلى الخوف كمفهوم أرضي متجسد ، كالحب
تماماً الذي ولد بينهما ، وإلى الرؤيـا :
هذه الرؤيا / الحلم التي تصاحب المرأة ، وكذلك الرجل ،
هي منطقة الكتابة التي يسلكها الكاتب في هذه النصوص . منطقة لامرئيّة وبعيدة ،
تشبه الخلق وبدء التكوين : " ظَلَّت في اتكاء جذعها على كتفه تهتز
، دون قدرة منها على التوقف ، ثم اتسعت عيناها . لم تصدّق ما نقلته لها أصابعها :
الأصابع التي تتلمس الرجل الثابت كالحجر : الحجر الرابض لصقها ، يبردُ ويتجمدُ
رويداً ، هكذا ، مثل كائن لا يشبه أحداً سواه ! " ص 78 .
لكننا ، وبالرغم من ذلك ، نسترشد بالوصف الكاشف كي نرصد
طريقة تقديم الكاتب للحدث ، وهذا ما نجده في نص " جداران من رغوة " ؛ إذ
تدور هذه الأحداث كما فـي النـص الأول " دفء أول " بين الرجل والمرأة ـ
عبر الحكاية ـ مستخدماً العبارة التالية : " نحن نعيش في الفاصل بين زمنين
. الأول مضى لا نعرف عنه سوى الحكاية ، والثاني لم يأت بعد " ص 79 .
النصُّ هنا يحاكي الواقع ، غير أن المؤلف يعتمد كسر
الإيهام بهذا الواقع عبر الحكاية . هذا من ناحية . ومن ناحية ثانية يرمي الكاتب
إلى تركيز الاهتمام على النص المكتوب وليس على التسلسل المنطقي للحدث الواقعي :
" أنتَ لستَ وهماً ، وأنا لستُ كذبة . " ص 80 . ثــم : " ترددتُ حيال خلو المكان أو
خِفَّتِه المحمولة على ما يشبه غيمة تنفرطُ بهدوء ، وتفكرتُ ، إذ بدوتُ وحدي :
لعلّه السهو . لعلّ الأمر برمته لا يعدو أن يكون مجرد سهوة يا .. " ص 81.
لعلّه " السهو " إذن ما يحرّك الحدث في هذه
النصوص الإحدى عشرة تحريكاً لا يعتمد التتابع الزمني ، بوصفه حدثاً منقضياً
يُستعاد في زمن الكتابة ، وإنما هو حدثٌ مستمر يبدأ في الماضي : " حينما
مررتُ عليه بخطاي البطيئة ظَلَّ راقداً : كأنما ظِلٌ بلا وزن أنا . "
مــن " النوم إذ يطول " ص 115 . وكذلك : " يظل الخيال ظلالاً
لنا . " من " الخزامى " ص 78 .
و " لم يعد ينصت ، إذ صار يعيش خفيفاً ومحمولاً
على غيمة يجدها تنفكُ وتهوي به كلّما ارتفعَت في السماء . " من
" الحكاية " ص 92 .
وعلى نحوٍ مماثل ، فإنَّ ذلك الحدث الذي لم يتم وينتهي
باختفاء المرأة والرجل لا يدخل في غياب نهائي ، بل يُستحضَر ويتخلق من جديد في
الخيال ، وقد يشتمل ، كما أسلفتُ في المقدمة ، على تضمينات دينية ( اختفاؤهما
بالطوفان ) ، وقد يكتسب أبعاداً خيالية فانتازية ، لكنه في المحاولات كلها يتجسد
عن طريق الكتابة ويكتسب ديمومته من ديمومتها . ومن هنا يلجأ الكاتب إلى نفي انقضاء
الزمن عن طريق استمرار الماضي في الحاضر ، ومزج هذا الحاضر بما ليس له انتهاء ،
كما يظهر جلياً في " الحكاية " و " النوم إذ يطول " ، ثم يفضي
هذا الزمن إلى زمن أزلي يتمثل في الاستمرارية ، كما في " الملح الأخير "
.
يخضع الزمن للتحوّل في هذه النصوص عن طريق الحلم أو
الخيال ، ويتم هذا التحوّل في نص " البحر يطرق الباب " و " الملح
الأخير " لكي يحقق قفزةً زمنيةً تؤدي إلى انتقال السرد من مرحلة محددة في
حياة الراوي إلى مرحلة تالية : " ثم كان صَحـوٌ وسكون . حينها فتحَ عينيه
ورأى : الشمسُ تغزو فسحةَ المدخل ، إذ ان الباب مفتوحٌ تماماً . " من
" البحر يطرق الباب " ص 112 .
ويظهر البحر في " البحر يطرق الباب " ليصبح معادلاً
آخر للوجود الإنساني برمته : " ليس هذا زمني ، فكر للتو . وكانت كفه في
مكانها لم يبسطها على البطن الهضيم ، غير أنَّ مطراً كاسحاً اصطخبَ مندلقاً من
سحابة أفرَغَت ماءها فانمحت الفتاةُ صاحبة الورد الذابل . " ص 112 ـ إلى
أن يصبح البحر واقفاً على الباب الذي لم يُغلَق : " ثم كان نومٌ ، فإذ
بقليلٍ من موج أزرق يندّس محاولاً أن يتخطى العتبة . " ص 113 .
يتعانق الموت والحياة معاً في هذه النصوص التي هي بمثابة
عالم كامل ووجود وخلود .
وهكذا ترتحل النصوص بين الحلم والعقل والخيال ، في
محاولة الوصل بين الأشياء والأحاسيس والوقائع والأشخاص ، عبر لغة تُستَنفَر حتى
حدودها القصوى .