|
سَهْلٌ علينا أن ننادي بالانتماء ، وأن نجعلَ من هذه المفردة شعاراً نُعممهُ في ميادين الوطن وشوارعه ؛ كأنما الإنسانُ منّا لا يعدو أن يكونَ متلقياً سلبياً ، أو وعاءً فارغاً ينتظرُ مَن يسكبُ فيه نِتاجَ " عبقريات " تفتقَ عنها ذِهنٌ فَذٌ .. فأتاحها لعموم المواطنين درساً وتوجيهاً عُلويين ! وأن نلجأَ إلى أسلوب التعميم هذا ، إنما يكشفُ عن خِفَّةٍ صارخة حيال تعاملنا مع عُمق مسألةٍ لا تحتملُ ، لفرط بديهيتها ، إعلاناً شبه تجاري . إضافةً إلى فَضْح نظرتنا لمواطننا باعتباره مجرد مستهلك لسلعةٍ موسمية !
أكان الانتماءُ ، عند سليمان عويس ، يحتاجُ لتعبئةٍ من هكذا نوع ؟
لا ، بل ينبغي أن نعّمقَ السؤال وأن نعيده لأصله : أكان سليمان عويس بحاجةٍ لمن يذّكرهُ بوجوب انتمائه لتراب وطنه ؟
حين أُعيّنُ رجلاً هو ، بهذه المناسبة ، الشاعر سليمان عويس ؛ فإني أتخذه مثالاً للإنسان الأردني الذي يدركُ جيداً ، وتماماً ، بأنَّ انتماءه ليس محصلةً لحشدٍ وتحشيدٍ يصطدمُ ببلاغته اللغوية الزائفة أينما جالت عيناهُ . أبداً . فالإنسان الأردني ، لأنه إنسانٌ أولاً ، لا يكون الانتماءُ عنده سوى ذاك التقطير الصافي للحنو عليه ، والانتصار لقيمته كإنسان : أي لرفع مراتبية الفرد ـ المواطن في وطنه أولاً ، فيتحول الوطنُ ـ بسبب علاقته بمن يبنيه ويُعليه بالضرورة ـ هو الشعار الذي لا يعوزه الإعلانُ أو التعبئة . فالمنقوش في الوجدان ، كما نعرف جميعاً ، أبقى من المطبوع على الجدران ؛
أليس كذلك ؟
*
من نقطة الوجدان هذه نستطيعُ الإمساكَ بجوهر سليمان عويس : الإنسان ، والشاعر ، في ضفيرةٍ قَلَّ مَن عاشها ، وعايشها ، واكتوى بجمرتها ، وتجرَّعَ مرارةَ انكساراتها ، ثم قضى ، في النهاية ، وقد تَحَوصَلَتْ في قلبه كأنما هي رصاصةُ الرحمة !
الانتماءُ ، عند سليمان عويس ، بدأَ من الوجدان مولوداً ومستقراً فيه : مندفعاً لاعجاً وحارقاً : عفوياً طبيعياً ومستنكفاً عن إحالته لسواهُ من خارجه ، كالأيدولوجيا أو أي تجريداتٍ تنظيريةٍ تفَسِّر له عشقَهُ لمن ينتمي ، أو تشرح له انتماءه لمن يعشق . فالعشقُ والانتماءُ ، كوجهين لسليمان عويس الواحد ، يكتفيان بذاتهما ولا يصّرحان بغير ما كانَ ينفثهُ القلبُ من أشعارٍ شعبية ما كانت لتخطيء هدفها : قلبُ الشعب ، بلغته التي يفهمها ، مغسولةً ومُقَشَّرةً ، كأطيب ما يقدّمهُ الفلاّحُ لضيفه على مصطبة المساء !
أوليسَ شاعرنا من أرومة فَلاّحين لا تنقصهم " شجرة العائلة " ؛ تلك التي تعيدهم في تسلسلها العميق إلى نَسغها الأول : تلك التي تعملُ على تجذيرهم في قلب التراب : تلك التي تُرْجِعُ نَسَبَهم إلى معنى أن تكونَ الأرضُ ـ بدلالة العِرْض والشرف ـ هي المبتدأ والخَبَر ؟
*
" سَلطي أنا ! "
انتماءٌ صريحٌ أطلقه سليمان عويس في واحد من مواويله الذائعة إلى درجةٍ باتَ هذا الوصفُ ، لمن لا يعرف مسقط رأس الشاعر ، هويةً له .
أكانَ يكذب ؟ هو " الدِبينيّ " من جهة الشمال واللزاب والقيقب ، يريدُ الانتسابَ إلى مدينةٍ في الوسَط والعِنَب ووادي شعيب ؟ لكنه ، في العُمْر نفسه ، كان أن انتسبَ لبغداد ، وبيروت ، وللقدس أيضاً . أكانَ يتمادى في خداع الآخرين ، أم كان ، في الحقيقة ، يَتَسِّعُ ـ لأنه أردنيٌ صميمٌ وصادق ـ ليصيرَ عربياً في لحظةٍ تحولَت فيها الجغرافيا الضيقة إلى أيدولوجية يستترُ بها مهزومو التاريخ ؟
أنتم تعرفون ، مثلما كان سليمان عويس يعرف .
*
ليسَ بيدي أن أصطنعَ مجداً لرجُلٍ اسمه سليمان عويس ، ليس يملكهُ .
أشعارُهُ تَدُّلُ عليه ، فاقرأوا واشهدوا .
وهذا ليس رثاءً أيضاً ؛ بل إشارةٌ في هذا اليوم أسجّلها ، عَلَّ ترجمةً لمعنى الانتماء ، كما احتفظَ به في وجدانه ، تجدُ مكانتها في يومٍ آخر تنعدلُ فيه القِيَمُ ، وتستقيم .
*
وأخيراً :
أكان سليمان عويس بانتظار أن نهديه ورداً بمناسبة هذا التأبين ؟
لا أعتقد ذلك .
ربما كلمةُ حَقٍ ينتظرُ منا أن نقولها ، وهي أضعفُ الإيمان .
|