|
|
|
|
2006/04/01، " مسارات "
نشرت في مجلة مسارات العراقية، العدد الأول - السنة الثانية، ربيع 2006
|
|
أن نشتَّقَ لأنفسنا " مسارات " جديدة لا يتضمن ، كفعلٍ واعٍ بذاته ولذاته وللآخرين ، سوى مراجعة ما كانَ ، بالانخراط في عملية نقدٍ عقلاني للماضي ابتغاء المعرفة وجَني الدروس ، وليس بقصد الثأر والانتقام وحَصْد الرؤوس ـ بمعنى تحطيم ( كل ) المُنجَز السابق والبدء من جديد ، كأنما الخليقة تفتحت أزهارها على عتباتنا الآن ، ومنحت بركاتها في سمائنا للتو !
لا شيء يبدأ من الصفر ، خاصةً عندما نتعرض لشتى ضروب البناء / إعادة البناء في بلدٍ كالعراق ، لا يعوزه تاريخٌ محمَّل بإرثٍ حضاري ليس خاضعاً للمساءلة بقدر ما ينتظر من ( المنتمين ) إلى ( كُلِّه ) المتعدد ممارسة الحفر في باطنه لاستخراج جوهر غِناه وجوهرة معناه : عراق جامع ومُحّب ومتسام ، ينهض على المشترك ليشيد " بابلَه " الحديث حيث تتناغم اللهجات جميعاً في طبقات أبراجه ، لا لشيء إلاّ لأن تعدديته اشتركت وامتزجت حقاً في رَفْعِهِ خارج منطق المحاصصة ، وبالضد من ذهنية الاستفراد ، وبالنبذ الكامل لجنون الاستقواء .
فأن ندعو إلى رسم " مسارات " أُخرى على الورق ، لا يشكل ، في حدود الورق ، سوى إعلاننا عن طبيعة نوايانا . وهذا لا يكفي . قد يكون أقل الإيمان ، لكنه ، رغم حسن هذه النوايا ، ليس كافياً . لأن مردود الفعل المثقف ـ فعل المثقف ـ الفعل الثقافي يتجاوز الورق من حيث الابتداء ، احتكاماً لقانون وقوف الثقافة المبدئي في وجه جميع السلطات ، مشهرةً سيف النقد والاحتجاج ، معلنةً إرادة الخروج على تحالفات القبائل ـ يشتى عناوينها ومسمياتها ـ ، وعدم الارتهان إطلاقاً للحسابات الآنيّة / الأنانية بحجة التعامل مع الأمر الواقع وتناسخات هذه الحجة / الفضيحة .
فإذا تضمنت كلمة رئيس التحرير للعدد الثالث من هذه المجلة بعنوان " من نحن ؟ " ، ما يشير إلى وجوب ضلوع المثقفين ، اسوةً بالسياسيين ، في تحديد هوية الدولة الجديدة في العراق المرتبطة ، لا بل النابعة من تحديد الإرادة أو الهوية الجماعية المؤدية إلى الإجابة عن سؤال : من نحن ؟ ؛ فإنَّ مجرد التمني " يا ليت " في فعل الضلوع هذا والاقتصار على " المراهنة " أملاً في خطوة لاحقة هي " المشاركة " ، إنما تجيء كأنما تقول بأن الحاضر الماثل لم يتوفر بعد على شروط هذه المشاركة .
إنَّ الخوف ليتضاعف على " مسارات " يأمل أصحابها في تمهيد الطريق العريض والنظيف والخالي من المطبات ـ أياً كانت ـ ، فيما لو ظلت إرادة المثقفين مغيّبَة عن الفعل الوطني المخلص في رسم ملامح المستقبل لعراق جديد تنضفر في تشكيله كافة عناصره الحيّة وفاعلياته الحيوية ـ والعاملين في حقول الثقافة على وجه التحديد .
فالمثقف الفرد ، والثقافة كفعل مراجعة دائمة وناقدة ضمن علاقة التبادل والتفاعل بينهما ، يشكلان بوصلةً حساسة للمسار الذي يتخذه المستقبل على أيدي صانعيه ، كما يحددان طبيعة القادم وإلى أي حد كانت براءته خالصة في ذِمة تاريخ بلد ـ كالعراق ـ لا ينسى .
ذلك كله ليس غائباً عن الحالمين بـ " مسارات " جديدة معافاة والعاملين من أجلها .
ولذلك ؛ فإنَّ خوفي عليها يشتبك مع حماسي لاستمرارها
|
|
|